البغدادي
205
خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب
وذهب أبو عبيدة معمر بن المثنّى إلى أنّ السّور جمع سورة ، وهي كلّ ما علا ؛ وبها سمّي سور المدينة سورا . وعلى هذا لا شاهد في البيت . قال السيرافيّ : والجبال الخشّع مبتدأ وخبر عند بعضهم ، أي : وصارت الجبال خاشعة متضائلة ؛ لأنّه لا مدح في قولنا تواضعت الجبال المتضائلة ، بل تواضعت الجبال الشامخة ، لكنّه وصفها بما آلت إليه . وقال بعضهم : هو معطوف على سور المدينة ، والخشّع صفة له ؛ ولم يرد أنّها كانت خشّعا قبل ، بل هي خشّع لموته الآن . وأراد : لما أتى خبر قتل الزّبير وتواضعت وقعت إلى الأرض . و « الخشّع » : التي قد لطئت بالأرض . وهذا البيت من قصيدة لجرير « 1 » ، عدّتها مائة وعشرون بيتا هجا بها الفرزدق وعدّد فيها معايبه ، منها أنّ ابن جرموز المجاشعيّ - وهو من رهط الفرزدق - قتل الزّبير بن العوّام غيلة بعد انصرافه من وقعة الجمل ، فهو ينسبهم إلى أنّهم غدروا به لأنّهم لم يدفعوا عنه . يقول : لمّا وافى خبر قتل الزّبير إلى مدينة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، تواضعت هي وجبالها ، وخشعت حزنا له . وهذا مثل ، وإنّما يريد أهلها . وقبل هذا البيت : ( الكامل ) إنّ الرّزيّة من تضمّن قبره * وادي السّباع لكلّ جنب مصرع وبعده : وبكى الزّبير بناته في مأتم * ماذا يردّ بكاء من لا يسمع ووادي السباع على أربعة فراسخ من البصرة . ثم إنّ ابن جرموز قدم على أمير المؤمنين علي رضي اللّه عنه ، وهنّأه بالفتح وأخبره بقتله الزّبير ، فقال له عليّ : أبشر بالنار ، سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « بشّر قاتل ابن صفيّة بالنّار » .
--> ( 1 ) القصيدة في ديوان جرير ص 909 - 919 في مائة واثنين وعشرين بيتا ؛ والنقائض ص 961 . وفي ديوانه في تقديم القصيدة : " وقال يهجو الفرزدق وجميع الشعراء " .